سيد محمد طنطاوي
119
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم . . والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم في المستقبل القريب ، كما في قوله - تعالى - : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمِهادُ . والآية الكريمة من باب الإخبار بالغيب ، الدال على إعجاز القرآن الكريم . قال الآلوسي : والآية من دلائل النبوة ، لأن الآية مكية ، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد ، ولا كان قتال ، ولذا قال عمر يوم نزلت : أي جمع يهزم ، أي : من جموع الكفار . فلما كان يوم بدر ، رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول * ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) * فعرفت تأويلها يومئذ . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها ، وأنكى فقال : * ( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ، والسَّاعَةُ أَدْهى وأَمَرُّ ) * . والمراد بالساعة ، يوم القيامة « وأدهى » : اسم تفضيل من الداهية ، وهي الأمر المنكر الفظيع الذي لا يعرف طريق للخلاص منه . وقوله * ( وأَمَرُّ ) * أي : وأشد مرارة وقبحا . أي : ليس هذا الذي يحصل لهم في الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم ، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيئ ، ويوم القيامة هو أعظم داهية ، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوي . ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال : * ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ ) * . أي : في بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم ، وإيثارهم الغي على الرشد ، وفي نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم . ويقال لهم * ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) * أي : يوم يجرّون في النار على وجوههم ، على سبيل الإهانة والإذلال . * ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) * أي : ويقال لهم : ذوقوا مس جهنم التي كنتم تكذبون بها ، وقاسوا آلامها وعذابها . فقوله - تعالى - : * ( سَقَرَ ) * علم على جهنم ، مأخوذ من سقرت الشمس الشيء وصقرته ، إذا غيرت معالمه وأذابته ، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 27 ص 92 .